الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

12 دقيقة وقت القراءة ( 2328 كلمة )

في الشعرية العراقية ورهان الحرية / مؤيد عليوي

لا ينفصل الشاعر/ الشاعرة عن واقع حركة الحياة اليومية في المكان الذي يعيش، ولا ينفصل عن حركته وفلسفته ومفاهيمه للجمال الخاصة وربما أيديولوجيته بين أمواج المكان وبعض ميثولوجياه، الذي يعني فيما يعنيه التقاليد المجتمعية والنظام السياسي والحياة الاقتصادية الاجتماعية بحسب تعريف ياسين النصير له،وكذلك التقاليد والسيميائية الواقعية في الثقافة العراقية، وطقوس القراءة والكتابة للشاعر/الشاعرة وتفاعل النقاد في الكتابة عن المنجز الشعري وما الى ذلك 

عذراء المالكي
فليحة حسن


أنها تفاصيل يومية تؤثر حتماً في التجربة الشعرية بحسب ماهية كل ما تقدم من تأثيرها سلباً أو إيجابا على نفْس ومزاج الشاعر/الشاعرة((فتكون مسؤولية إنتاج النص الشعري أقرب الى "شركة مساهمة"، التي أسستها مجموعة عناصر، من بينها الإنسان وتجربته الحياتية وموقفه من الواقع)) مع عناصر كثيرة منها نوع الرؤية الثقافية للشاعر/الشاعرة ومفاهيمه الجمالية، ومنها مكانة المرأة في المجتمع وأنوثة الشعر لا ذكوريته ، ومنها اللغة بوصفها نظاماً تمركز في الذات الشاعرة، وأكثر تلك الظروف تأثيراً السياسة أو الأنظمة أو طريقة أنتاج الأنظمة، التي تؤثر في ماهيّة التعاطي الشعري وإبداعه ومزاج ونفسية الشاعر، أما من خلال أيدلوجيا حاكمة أو أيدلوجيا معارضة، فتنزاح الذات الشاعرة الى مناطق غير مأهولة بالصدق الفني وبالتالي غير مأهولة بالشعرية، فتركبها موجة الظروف القائمة وتذهب بها الى منطقة غريبة عنها شعرياً منطقة لا تعرف شوارعها في داخل الشاعر/الشاعرة، تسبب له متاهة تهدم ما تم بنائه في داخله، فالشعرية تراكم كمي وكيفي في حركة مستمرة وقلق داخلي بالفن وجماليته فقط، فيكون التحرر من الشروط النقدية المُسبقة للشعر هي الخطوة الأولى لتحرر من سطوة الخارج الواقعي، إذ القراءة النقدية وتطوير الموهبة تقع على عاتق الشاعر/الشاعرة لتكون ثمة بصمة تفرد له دون توجيه لبوصلة العشر بقيود نقدية، مثلما حصل في مرحلة الستينيات وكانت بنت مرحلتها إذ فرضت تلك المرحلة شروطاً بـ(رؤيا أدبية أيدلوجية للواقع) لجيل كامل لم يجسد المشهد الشعري من بيانها إلا فوزي كريم وفاضل العزاوي وكانا موصوفينِ بالتطرف حينها، وفي السبعينيات كانت ملامح الشعر ردّة فعل على شعر الستينات... ، أما اليوم فالعالم منفتح وعلى الشاعر/الشاعرة، تطوير نفسه والبحث والدراسة دون وصاية نقدية، وبهذا ستتعدد المدارس الشعرية بما يدفع الشعرية العراقية الى مصافي العالمية، وعلى الناقد الحصيف أن يدفع بهذا الاتجاه لأنه التطور الواقعي للشعر في العَالم، فقسمات الشعر تكون بعد إنتاجه، لا بوصاية نقدية عليه تحدد ملامحه مسبقاً، فالشروط المسبقة مثل تجربة الستينيات في فسحة الديمقراطية اليوم ستكون قيود على الذات الشاعرة، من حيث حقيقة الشعر تمرد إبداعي، ولا تكون الشعرية العراقية مبنية على ردة فعل نقدي أو شعري مثل مرحلة السبعينيات، بل تكون الجمالية في الفن من السمات المألوفة نتيجة تمرد الشعر على قوالبه الثابتة : البنية الشعرية واللغة والشكل والمضمون...،في عصره.
ويحتاج الشاعر/الشاعرة للتحرر من تسلط الأنا العليا على الذات الشاعرة في داخله، الأنا العليا التي تحرف المجرى الإبداعي الى أرباك الشعرية أو قلْ تقلل من منسوبها الإبداعي كما حدث في آخر تجربة سعدي يوسف، إذ قلّ منسوب الشعرية حين طغت الأنا العليا فصارت المباشرة والتقريرية حاضرة في نصه بما يفقد شعريته بريقها الآخذ، وبسهولة أن تلحظ هذا بمقارنة بسيطة في المنجز الإبداعي لسعدي يوسف.
أما الظروف المتسلطة على الشاعر/ الشاعرة من الخارج المادي، فهي ما أوجدتْه من كتّابِ قصائد المديح للدكتاتورية بالأمس، وكتّاب قصائد المهرجانات الدينية اليوم ، مقابل المال فيما سلوكهم اليومي لا علاقة له بالدين،فما بالك بمديح أحزاب الإسلام السياسي النافذ في اغلب العراق، من أجل المال أو أيدلوجيا، بعنى غياب الصدق الفني وغياب الشعرية، أو كتّاب قصائد الايدولوجيا دون عبورها أو تجازوها الى الفنية والجمالية،أية أيدلوجيا كانت فهي ثابت شبه مقدس، وحقيقة الشعر قلق متمرد يُكسر قيود الخارج والداخل ويتجاوزها الى ضفة الإبداع والخلق، ولو كانت المقدس الثابت نفسه، فتمرد الشاعر/الشاعرة على قوالب الشعر الجاهزة في عصره ليبدع تمردُهُ شعراً فيه بصمته الإبداعية بفنية وجمالية مثال ذاك تجربة رائد الشعر الحر السياب في قصيدتي "أنشودة المطر" سنة1954 في بغداد، وقبلها "غريب على الخليج" سنة 1952 في الكويت، وقد أبدع فيهما، على الرغم من انتمائه للحزب الشيوعي وقتها بمعنى عبر عن فلسفته الماركسية بصدق فني وتمرد متجاوزا القوالب الجاهزة للشعر وفي ذات الآن تجاوز المحنى الأيدلوجي، وعلى حد قول خالدة أحمد سعيد التمرد اليومي على الواقع والقوالب الجاهزة للموروث الشعري باعتباره ثابت ومقدس، هو ما ينتج الشعر والجمالية التي نبحث عنها، لنجدها في مفهوم الجمالية عند مارك جيمينيز، فجميع الظروف السالفة وغيرها تؤثر في الشعرية العراقية، وتؤثر في نفْس الشاعر/الشاعرة لأنه إنسان حسّاس الذات، اقصد الذات الشاعرة التي تتحسس مواطن الجمال دون قيود مرجعية دون وصاية شروط مسبقة في داخله كابحة لحركة التمرد الإبداعي، اقصد بدائية المشاعر مثل اكتشاف النار عند الإنسان الأول، أنه قلق التجربة اليومية فالشعر عالم خاص تكون شعريته نابعة من أعماق الذات الشاعرة وما يعتريها من تفاعل اتجاه كل ما يمر بها يومياً من حركةً واقعية وقراءةً، تنبع من الإحساس البدائي كما يقول ت – س إليوت: الشاعر أكثر بدائية من أقرانه وأكثرهم رؤية، فالبدائية هنا هي بدائية الإحساس والفطرة الأولى للمشاعر في التفاعل مع الموجودات اليومية، والتعبير عنه بصدق فني حتماً، في فردانية متمردة شعرياً ومتمردة على الواقع في ذات الآن، وهذا يتطلب الحرية الكاملة، ومن هذا الإبداع الذي نرى فيه ملامح الشعرية العراقية في المستقبل، من تجربة شاعرتين فلحية حسن وعلياء المالكي :
1 - تمرد فليحة حسن :
تمردها سلوكاً وإبداعا مقاوم لسلطة الخارج الواقعي اليومي بقوة والرافض لسلطة للانا العليا على الذات الشاعرة بقوة أيضاً، فهي تنطلق من ذاتها الشاعرة بصدق فني أذ تحررها مرهون بوعيها الذي تمرد على القيود في هذه التجربة الثرة عراقياً:((فليحة حسن شاعرة متمردة على المقدس الوضعي لاهثة حول ألق المفردات التي تفلت من بين سلطة الرقيب الذاتي وسلطة العرف الاجتماعي . فالمقدس لمدينة مثل النجف الاشرف يبتدئ بقداسة المكان وانتهاءً بقدسية النص الشعري (الوزن والقافية) والمعنى المحافظ في داخل النص، فمن يتعد حدود هذه المسميات يعد خارجا عن نطاق المقدس .. فليحة حسن تسير على خطى ابنة مدينتها نازك الملائكة التي ثارت على المقدس و لم تلتزم بقصيدة الوزن المقفى بل راحت تتمرد وتكشف عوالم أكثر حداثة من الشعر الكلاسيكي الذي بقي ضمن قالبه الذي يقتل الصورة الشعرية أمام الوزن (المقدس)، فشنت الحملات حينها ضد الملائكة في بداية تجربتها في الشعر الحر واعتبرت قصائد خارجة عن الذائقة الأرثية ذات الوزن والقافية والرافضة للمقدس (الوضعي) .. رغم أن متطلبات الحياة العصرية من حداثات دفعتها الى ولوج شكلا آخر للشعر وليس رفضا لعروض الفراهيدي .. في مجموعتها الشعرية ( ولو بعد حين ) التي صدرت عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2007 تثبت فليحة حسن وجودها كشاعرة من طراز خاص، لها بصمتها الخاصة وأسلوبها الحداثوي الذي يطوع المفردات ضمن خيال مفرط في الاستعارات اللفظية الدلالية واعتماد اللامباشرة في الخطاب الشعري)) فأن الحرية التي مارستها فليحة حسن والتزمت بها واقعاً هي التي منحت شعريتها الإبداع الشعري الحق،كما وهبتها جواز التطور والرقي بالفن جمالياً، وهذه الحرية التي قصدها النقد في السطور المتقدمة، فالحرية عموماً مرهونة بحرية المرأة مما هو ذكوري في المجتمع، ومنها الشعرية العراقية، ثم نقرأ ما كتبه ياسين النصير عن ديوانها "زيارة لمتحف الظل" إصدار 1998:((لم يدر بخلد أحد منا أن يلتقي يوما بشاعرة لا تسبقها دعاية ما، فليحة حسن الفتاة النجفية السمراء، تقتحم قراءاتك دون استئذان بديوان شعر صغير، 37 صفحة، وبـ31 قصيدة قصيرة، شاعرة تتلمس طريق الفراشات إلى حقول الشعر،لا تفتعل اللغة، ولا الصورة، ولا الكلمة، بل تجد ما تريده منساباً بتراجيديا حزينة دون تعقيد. هذه الشاعرة الكريمة كأي واحدة من أدباء العراق الشباب تتحفك بمجموعة أو أكثر من نتاج الشعر وهي لا تدعي أكثر مما تقوله قصائدها، وخلال متابعتي لها ولغيرها من الشاعرات لم أجد لهن فسحة في صحافتنا الثقافية إلا قليلاً...،تتحدث الشاعرة فليحة حسن في ديوانها الصغير/الكبير، "زيارة لمتحف الظل" عن خسارات جيلها، في الحب، في البيت، في الحرب، في الهناءة، في القوت، في الرغبة ، في أن لا يموت أحد موتاً مجانياً. لتؤسس إلى ميثولوجية جديدة مادتها ما حدث للعراقيين بفعل الحروب. لأن ما في القصائد القصار صخب مرحلة وشواخص لا يمكن العبور عليها، ورؤيا ميثولوجية معاصرة ...،فالشعر العراقي مبادر إلى اكتشاف أمكنة ميثولوجيا جديدة...،عندما لا تقدم الشاعرة الميثولوجيا كحدث مستقل- الحركة الأولى للحداثة-، وعندما لا تستثمرها كدالة على وضع- الحركة الثانية للحداثة- بل تجعل منها صوراً جديدة، مُستلة من أحداث واقعنا وما جرى لنا في الحروب، في هذا الديوان الصغير أشعر لأول مرة أنني أقرأ أحداثا ميثولوجية توضع في المتحف ونذهب لمشاهدتها ونعيش لحظاتها ثم نغادرها تاركين ظلالنا معها. فالشاعرة لا تستعيد ميثولوجيا، بل تولد ميثولوجية عراقية جديدة.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
ساهمين
لنعد ما يبقى
من الأطراف في جسد الحياة
والأرض صارت تعلك الأجساد
تبصقها شحوبا للعناء
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول .) .
2 –المقموع وشعرية الأسطورة في " طوق الفراشة " / علياء المالكي
يدخل النقد من بوابة المكان فالفضاء الداخلي لغرفة النوم التي تمثل خصوصية وحكراً لمَن يقطنها وفي سرير النوم الذي يمثل اقصى حالات الخصوصية والامان والطمأنينة حيث يكون الاستماع الى صوت حنين النفس الى ما تريد في هدوء وتواصل معها لتنطلق الذات الشاعرة في علياء لتصويره فنياً :(يتساقطُ/ صوتُ الكريستال المتكسرِ/في الاحلام ْ/يتبعثر في عروق الاغطية النائمةِ/ فوق سريري/عندها../ ارنو اليكْ/ كطفل أحمل أجنحةً../ مسافرةً/ نحو سماوات لا مرئية)، فتنبلج الصورة الفنية عن الميثولوجيا اليومية في صورة الحنين، وفي لحظة من الاغتراب عن الواقع في ذات الآن، أن معنى النص هو الحنين والاغتراب فالحنين يوّلد الاغتراب دائماً، أو تصبح المعادلة بسبب الاغتراب يكون الحنين، فملازمة الحنين الى الماضي والاغتراب عن الواقع جاء نتيجة قمع للمرأة ولحرية الذات الشاعرة فيها، فحرية علياء منقوصة لذا يكون فضاء الغرفة هو بيت ميثولوجياها السرية، وبسبب التسلط أيضاً عدم إفصاحها لما تحنّ له الشاعرة في حالة انغلاق نفسي تام ضمن في نصها الشعري، في مزيج بين الحلم والملوس الواقعي، بين الروحي والمادي، هيام في ملكوت الحنين في لحظة انفلات طفولي عفوي للنفس البشرية لتعود الى أصولها البدائية بدائية المشاعر قوة العاطفة والإحساس كما هي عند الأطفال حيث الطفل أكثر البشر أحساس بما حوله في انعدام المعلومة عن المخ، أو تشبه بدائية إحساس الإنسان الأول بالماء والنار، فتكون هذه الميثولوجيا في الغرفة، لتنطلق في أفق أبعد (نحو سماوات لا مرئية) الى افق هلامي تتحسسه النفس بين الروحي والمادي، لتنطلق الشاعرة من فضاء الغرفة الى فضاء الخارج المادي الفيزيائي بإحساس منعش متصل بالانفتاح النفسي على الخارج الفيزيائي وهي مازالت في فضاء الغرفة - كما يرى باشلار-،بما يشبه انفتاح الانفتاح النفسي للسجين، بمعنى الخروج الفعلي لن يتحقق، وهذا الانفتاح النفسي عبّرتْ عنه (في قلبي) من خلال صورة فنية مكملة للصورة التي سبقتها، حيث صورة جديدة : (أرنو اليكْ/ كنجمة/ في قلبي مساءٌ/ يتمشى على جسر/ وشارع/ يُسمعني همس طيور/...) حتى نهاية النص، فتفضح كلمةُ الشارع والجسر عن فوضى المكان الخارجي وسطوته اليومية،وهي من الأماكن العامة التي تظهر فيها سطوة الأنظمة على الفرد وسطوة المجتمع الذكوري على المرأة، ليكونا أشارة لسبب الميثولوجيا اليومية التي يلجأ إليها العراقيون في اغلب وقتهم بسبب الأنظمة وحروبها والممنوع على المرأة، لتعوض علياء هذا الفراغ بالحنين لما تفقده من خلال أسطورة ميثولوجياها السرية، في إشارة الى المفقود من الأمان في بغداد وقت نشر النص 2009، فيكون المَحنون له شخص أو الشعر أو فكرة ما أو ربما وطن مسروق،. ثم تذهب الشاعرة في نهاية النص الى توظيف قصة يوسف والبئر للدلالة على حنين يوسف لأبيه ذلك الوجع اليومي ليوسف، بما يشير الى وجع الحنين اليومي لدى الشاعرة، معززة اسطورتها بنسق أسطوري موروث ينتمي للحركة الاولىلقصيدة الحداثة كما فعل السيّاب، فتستمر ميثولوجياها هذه يومياً من خلال تكرار هو صوت الراء في نهاية الجملة الشعرية من الاجواء الاسطورية ذاتها ها هنا (يتساقطُ/ صوتُ الكريستال المتكسرِ/) وكذلك في الفعل (يتبعثرُ) الى نهاية القصيدة، من خلال صفة التكرار التي يحوزها صوت الراء وهي الصفة الوحيدة له الذي جاء في نهاية السطر، بمعنى أن صفة الاستمرارية المعنى أو تكراره هي الصفة السائدة في دلالة صوت الراء التي تتفق ومعنى الجملة الشعرية وما تبعها من علاقات دلالية في تكوينها للصور الفنية، لتفضي الى استمرارية هذه الميثولوجيا نصاً وواقعاً وذات الدلالة لصوت الراء في المعنى الجملة (ويبتدئ العمرُ) بمعنى بداية جديدة تكرر فيها الميثولوجيا النصيّة، فحين تأتي هذه الجملة في نهاية المقطع الذي يكون فيه الوطن مخبأ بين طيات اغنية فالوطن خارج الاغنية غير موجود أو أنه مسروق أو أنه مصادر: (يتفتح القمر الغائب/ في قلب أغنية/ حين أحن / الى الوطن الغافي/على أضواء شموعي/ يبتدئ العمرُ)،أو يكون (الوطن الغافي) تعبيراً مَجازياً عمّا يشبه الوطن الحقيقي الذي يوفر الأمان والاستقرار ولكن غير موجود في الواقع أيضاً، لذلك تجده الشاعرة في أغنية مرتبطة به، فمديات المجاز تتسع هنا في هذا المقطع وعموم النص الى أبعد نقطة بحسب المتلقي وبناه المعرفية وتبقى مهمة تأويل النص الى مَن أو ما تحنُّ علياء، على المتلقي بعد أن طرقنا مفاتيح النص ونتمم صناعتها في نهاية الورقة. وللمكان حضوره في مقاطع أخرى من النص الشعري "طوق الفراشة"، بستان النخيل والمرأة تضفر سعف النخيل، والأرجوحة، جسّدت التواصل النفسي بين الشاعرة والخارج الفيزيائي في حنين الشاعرة وهي مازالت في غرفتها، لتوظف هذا المكان وحركته في بناء صور فنية متصلة بالنسق الدلالي المتكون من ثلاث جملٍ متكررة تبدأ بـ(كلما + فعل ماضي) في دلالات ميثولوجية، يشي تكرارها ثلاث مرات من أنّها ميثولوجيا تتكرر يومياً إلا أنها تكون ميثولوجيا سرية داخل الغرفة بسبب القمع خارجها، ثم ينكسر هذا النسق بنسق ثانٍ من ذات حروف النسق الأول، فالنسق الدلالي الثاني:(كل ما + فعل ماضي) مع تغيير دلالي يناسب فك الارتباط بين (كل) و(ما)، وتكرار جملتها مرتين متتاليتين لتوكيد هذا النسق ونهاية النسق الدلالي الأول، وهذا يتناسب مع معنى كل نسق، ليفصح النسق الثاني عن انتهاء حالة الانكفاء والنكوص النفسي لسبب الحنين، وبداية الشكوى من هذا الحنين، فهذان النسقان يصوران ما مر من تحليل النص على وفق المكان، حيث يكون معنى النص قد ارتكن الى المكان الذي يؤدي وظيفة أسطورية، وارتكن الى التكرار الفني للجمل الشعرية وخلق انساق دلالية، وفي كلا المرتين يكون الحنين والاغتراب حاضراً في حالة الـ(بين بين)، ليمنحنا مدلولهما معنىً أسطوريا يجسد ميثولوجيا عراقية مازال يعيشها العراقي في واقع يومي قامع للحريات لكثرة الخطوط الحمراء آخرها استشهاد الروائي د. علاء مجذوب،وهذه الثنائية تمنح النص مدلول ثنائية الروحي والمادي، المتخيل والواقعي، الـ(بين بين)، لتشير الى ثنائية طرفي جسر التواصل من الميثولوجيا، أما النسق الأول فيبدأ من بداية النص (كلما حررت نفسي/) وينتهي بـ(بدأت حياتي) في تداخل بين النسق الأول والنسق الثاني حيث الفاعل (حياتي ) للفعل (بدأت)، يكون فاعلا للفعلين (تضرب القلب/ تعلن النبض)، ليجيء النسق الثاني في امتداد وتمدد من النسق الأول من تفكيك (كلما) فيكون النسق الثاني يبدأ من(على كل ما ..مر من جفاف/كل ما ..كتبتُ من حروف)، ليحلق النص في الشكوى من الحنين التي تبدأ من (حصارُ حبكَ / أغصان /..) ولينتهي ( الى حيث..لا طريق) حيث المجهول وعدم الاستقرار لذا يكون العود الى الحنين مرة أخرى في مقطع جديد هو مقطع الأغنية والوطن الغافي، وهكذا دواليك تعيد قراءة النص مرة أخرى متصلة من آخر كلمة فيه (الطوق الجميل) الى العنوان (طوق الفراشة) بعد أن يتزود المتلقي منه بمفاهيم الأسطورة وتنتفي من ذهنه القراءة الأولى خارج ثيمة الأسطورة.

دعوة خاصة لمؤتمر بمناسبة يوم الشباب / محسن حسين
محطات في علاقتي مع الصديق الاعلامي عدنان احمد راسم

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 30 أيلول 2020

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://alarshef.com/

أخر مقال نشر للكاتب

  الأربعاء، 12 آب 2020
  353 زيارة

اخر التعليقات

زائر - د. هناء البياتي د.هناء البياتي : الترجمة لغة العصر والصلة بين ثقافة المجتمعات والشعوب | عبد الامير الديراوي
27 أيلول 2020
شكرا أستاذ عبد الامير على هذا الحوار البناء ... بالصدفة عثرت عليه وشار...
اياد صبري مرقس افتتاح مكتب استشاري قانوني من خلال خبراء متخصصين للمقيمين من العرب والاجانب في كوبنهاكن - دانمارك
22 أيلول 2020
مرحبا اخ حسين اعتذر منك لتاخير الرد وسابقى على تواصل دائم مع اي استفسا...
اياد صبري مرقس الى الاجانب والمقيمين في الدنمارك : شركة (المعرفة الداخلية) تقدم كل الخدمات للاجانب
22 أيلول 2020
شكرا جزيلا دكتور نزار العزيز انت اخ كبير واعتز بك كثيرا .. شكرا للطفك ...
زائر - علاء كاظم سلمان الخطيب الى عدوي المحترم محمد جواد ظريف / علاء الخطيب
21 أيلول 2020
السيد علاء الخطيب أنا المهندس علاء كاظم سلمان الخطيب (عراقي-أمريكي مقي...

مقالات ذات علاقة

عراةُ الخطيئةِ عراةُ الحزنِ ... للدنيا أتينا رداؤنا طيبةُ الطينِ وبسمةُ ماءٍ من الرافدينِ
40 زيارة 0 تعليقات
حبيب الروح .. يا نسمة البوح ضمني .. جردني من الجروح اكتب على جسدي عشقا لم يكتب في كل لوح أ
58 زيارة 0 تعليقات
من هيأة  تحرير مجلة  ( ظلال الخيمة ) ، وصلني .. إهداءً .. العدد 44  تموز 2020 من المجلة.  
49 زيارة 0 تعليقات
وبما أن الشجاعة في العمل لا تُستدل على الرغبة في الفهم، فإن الفكر المعقد يجمع الأسباب مع م
48 زيارة 0 تعليقات
أنتِ غاليتي حتى آخر الزمان انتِ حبيبة الروح و الوجدان يا مَن تطوقين لبلابي بالحنان أشتاق أ
54 زيارة 0 تعليقات
كأني دخلت هذا المكان سابقاًكل ركن فيه يعرفني ،ستائره،أثاثهجدرانه ،تُذَكِّرني بأحاديثي القد
61 زيارة 0 تعليقات
رواية محبوكة بين الصدفة والتخطيط لتتشابه فيها الأقدار قبل الأسماء.رواية لو تركت لبطليها فق
40 زيارة 0 تعليقات
كان لقائي الاول بالشاعرة حياة الشمري في دمشق قبل نحو عشر سنوات ، حين فازت بجائزة الشعر الت
90 زيارة 0 تعليقات
تُرَى أهى سطورى ما أقرأه بعيْنَيْك..؟ أم المَىّ الأصْفر مَهْد النِنّى قُطيْرات مَحْبَرتى..
43 زيارة 0 تعليقات
بعد سنوات الغربة عدت الى الوطننظرت في المرآةفلم أجد نفسي٢سألت عن اصدقائي الشبابأشاروا إلى
41 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال