الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://alarshef.com/

التنين الأكبر يقدّم وصفة جاهزة لقمع الإنسان / د. طه جزاع

بغض النظر عن تعدد الآراء‮ ‬،‮ ‬واختلاف التفسيرات‮ ‬،‮ ‬وتنوع الاجتهادات‮ ‬،‮ ‬بخصوص ظهور وباء فيروس كورونا المستجد‮ " ‬كوفيد‮ -‬19 " وانتشاره في‮ ‬أغلب أرجاء المسكونة على شكل جائحة‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬المصيبة والتهلكة والبلية والغبراء‮ ‬،‮ ‬فإن هذه الداهية التي‮ ‬عمت البشرية‮ ‬،‮ ‬كانت بمثابة هدية من السماء للحكومات التي‮ ‬توفرت لها وصفة جاهزة‮ ‬،‮ ‬تفرض بموجبها سلطتها القسرية على مواطنيها‮ ‬،‮ ‬حظراً‮ ‬،‮ ‬وحجراً‮ ‬،‮ ‬وتضييقاً‮ ‬،‮ ‬وربما مسبة وشتماً‮ ‬وضرباً‮ ‬بالعصي‮ ‬،‮ ‬مثل الذي‮ ‬حدث في‮ ‬إحدى الدول الآسيوية الكبرى وشاهدناه بمقاطع فديو تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي‮ . ‬إنها وصفة جاهزة لقمع الإنسان‮ ‬،‮ ‬واستلاب حقوقه الأساسية‮ ‬،‮ ‬من دون أن‮ ‬يبدي‮ ‬تذمراً‮ ‬،‮ ‬أو احتجاجاً‮ ‬علنياً‮ ‬،‮ ‬فالمصلحة العليا تتطلب ذلك‮ ‬،‮ ‬والأولوية الأولى لسلامته وسلامة المواطنين‮ ‬،‮ ‬ولا عذر للجائع والمحتاج والفقير الذي‮ ‬يبحث عن لقمة عيش أطفاله على أرصفة الشوارع‮ .‬
‮ ‬دكتاتورية الدولة
ومن ألاعيب الطبيعة‮ ‬،‮ ‬وأخباث هذا الفيروس‮ ‬،‮ ‬إن ظهوره لأول مرة كان في‮ ‬دولة أقل ما‮ ‬يقال في‮ ‬وصفها‮ ‬،‮ ‬انها دولة شمولية‮ ‬،‮ ‬غير أن انتشاره كان أكثر ظهوراً‮ ‬في‮ ‬دول أقل شمولية منها‮ ‬،‮ ‬بل انه اجتاح الدول الغربية‮ " ‬الديموقراطية‮ " ‬وعدداً‮ ‬من الولايات الاميركية‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬المقدمة منها ولايتي‮ ‬نيويورك ونيوجيرسي‮ ‬بعنف وقسوة‮ ‬،‮ ‬وكاد أن‮ ‬يختفي‮ ‬تماماً‮ ‬في‮ ‬دول ديكتاتورية محكومة بالحديد والنار‮ ‬،‮ ‬ومسورة بأحزمة من أجهزة الأمن والجيش والشرطة والمخابرات‮ ‬،‮ ‬ووسائل المراقبة الإلكترونية التي‮ ‬تحصي‮ ‬على المواطن أنفاسه‮ ‬،‮ ‬وعدد دقات قلبه‮ ‬،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن تحركاته وعلاقاته واتصالاته‮ ‬– كوريا الشمالية على سبيل المثال لا الحصر التي‮ ‬لم تظهر فيها حالة واحدة معلنة رسمياً‮ ‬لحد كتابة هذا المقال‮ – ‬،‮ ‬مما‮ ‬يجعل‮ ‬،‮ ‬وربما لأول مرة في‮ ‬التاريخ‮ ‬،‮ ‬مقولة توماس هوبز‮ " ‬إن الدولة‮ ‬يجب أن تكون دكتاتورية‮ ‬،‮ ‬إذ لن‮ ‬يكفي‮ ‬لكبح أهواء الناس إلا السلطة المطلقة‮ " ‬صالحة تماماً‮ ‬تحت ذريعة حماية المجتمعات‮ ‬،‮ ‬وفق مقياس كورونا‮ ! . ‬وإذا كانت الحكومات الديكتاتورية في‮ ‬غنى عن وصفة كورونا‮ ‬،‮ ‬بحكم رسوخ ممارساتها‮ ‬،‮ ‬وخبرة أجهزتها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مراقبة المواطن‮ ‬،‮ ‬وتقييد حركته وحريته‮ ‬،‮ ‬فإن الدول الأقل دكتاتورية‮ ‬،‮ ‬والأنظمة الأكثر ميلاً‮ ‬للديموقراطية‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬المستفيد الأول من هذه الهبة المجانية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬جعلتها تطبق ما تشاء من أساليب تضييق الحريات من دون حرج‮ ‬،‮ ‬وانتهاك حقوق الانسان من دون خوف أو استنكار أو احتجاج‮ ‬،‮ ‬فالعذر جاهز‮ : ‬حماية الناس من الوباء‮ ‬،‮ ‬والحكومات على أصنافها ونظمها وأيديولوجياتها‮ ‬،‮ ‬تعتقد اعتقاداً‮ ‬جازماً‮ ‬انها أحرص على المواطن من نفسه‮ ‬،‮ ‬لذلك ذهبت بعيداً‮ ‬في‮ ‬ممارساتها وتعليماتها تحت‮ ‬غطاء الحد من هذه‮ " ‬الجائحة‮ " ‬حتى شاعت نكتة بين الناس تقول إن قتلى ضرب العصي‮ ‬والكيبلات في‮ ‬دولة آسيوية‮ ‬،‮ ‬بلغ‮ ‬خمسة أضعاف عدد وفيات الوباء فيها‮ !! ‬والنكات كما هو معروف تمثل انعكاساً‮ ‬مضخماً‮ ‬لواقع ملموس‮ ‬،‮ ‬بهدف السخرية‮ ‬،‮ ‬وربما التهويل الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى تنبيه السلطة‮ ‬،‮ ‬أو المجتمع‮ ‬،‮ ‬أو الرأي‮ ‬العام الدولي‮ ‬،‮ ‬إلى حجم المأساة التي‮ ‬يشهدها ذلك الواقع‮ .‬
‮ ‬التنين الأكبر
إن الهلع الذي‮ ‬أصاب الدولة التي‮ ‬توصف بأنها أعظم‮ " ‬ديموقراطية‮ " ‬في‮ ‬العالم‮ ‬،‮ ‬وأقصد الولايات المتحدة الأميركية‮ ‬،‮ ‬والقلق الذي‮ ‬ظهر على رئيسها‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يعقد مؤتمراً‮ ‬صحفياً‮ ‬يومياً‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحدث مثله حتى في‮ ‬حالة خوض البلاد لحرب عالمية ثالثة مثل تلك التي‮ ‬تنبأ بها هنري‮ ‬كيسنجر‮ " ‬97 " عاماً‮ ‬،‮ ‬قادا إلى تصريحات متسرعة‮ ‬،‮ ‬ومتناقضة بين الرئيس وادارته من جهة‮ ‬،‮ ‬وبين الخبراء والأطباء وعلماء الفيروسات‮ ‬،‮ ‬وشركات صناعة الأدوية واللقاحات‮ ‬،‮ ‬من جهة أخرى‮ ‬،‮ ‬بل وأكثر من ذلك‮ ‬،‮ ‬فان ترامب قاد حملة من الشكوك الخطيرة تجاه الصين‮ ‬،‮ ‬ومنظمة الصحة العالمية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬أصبحت هدفاً‮ ‬رخواً‮ ‬في‮ ‬مؤتمره اليومي‮ ‬،‮ ‬واتهامه للمنظمة بالانحياز للصين‮ ‬،‮ ‬وغضها النظر عن ممارسات السلطات الصينية التي‮ ‬لم تمنع من انتشار الوباء ولا تحجيمه‮ ‬،‮ ‬وعدم تأييدها لإجراءات مبكرة كانت ستقوم بها الولايات المتحدة لمنعه من الوصول إلى أراضيها‮ ‬،‮ ‬وبلغت الحملة ذروتها بتجميد تمويل المنظمة‮ ‬،‮ ‬لأنها تتلقى الدعم من أميركا وتساند الصين‮ . ‬بعدها أعلنت الاستخبارات الأميركية انها تحقق في‮ " ‬تخليق الفيروس‮ " ‬بمختبر في‮ ‬مدينة ووهان الصينية عاصمة مقاطعة هوبي‮ ‬،‮ ‬وليس في‮ ‬سوق رطبة للحوم والأسماك والحيوانات البرية‮ ‬،‮ ‬وإن استبعدت أن‮ ‬يكون ذلك بهدف الحرب البيولوجية‮ ‬،‮ ‬مرجحة أن انتشار الفيروس جاء عن طريق الخطأ‮ ‬،‮ ‬بحسب ما ذكرته وسائل الإعلام الأميركية‮ ‬،‮ ‬ثم جاء اتهام وزير الدفاع الاميركي‮ ‬مارك إسبر‮ " ‬للحزب الشيوعي‮ ‬الصيني‮ " ‬بتضليل الولايات المتحدة في‮ ‬هذه القضية‮ ‬،‮ ‬وكذلك اتهام وزير الخارجية مايك بومبيو للحزب الشيوعي‮ ‬بأنه‮ " ‬لم‮ ‬يمنح الأميركيين حق الوصول عندما كنا بحاجة إليه في‮ ‬تلك النقطة الأكثر دقة في‮ ‬البداية‮ " ‬على الرغم من ان إسبر وبومبيو لابد انهما‮ ‬يعلمان علم اليقين‮ ‬،‮ ‬ان صين القرن الواحد والعشرين‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬غير صين ماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬والكتاب الأحمر والثورة الثقافية‮ ‬،‮ ‬وان الحزب الشيوعي‮ ‬الصيني‮ ‬،‮ ‬صار أكثر انفتاحاً‮ ‬،‮ ‬ولربما صار أقرب إلى الروح الكونفوشيوسية وقيمها الأخلاقية‮ – ‬التي‮ ‬تعطي‮ ‬الضمير مكانة مهمة للتمييز بين الخير والشر‮ – ‬منه إلى الشيوعية والماركسية اللينينية بطبعتها الماوية‮ ‬،‮ ‬ولم تعد الثقافة الأميركية بمظاهرها الاستهلاكية والترفيهية مثل مطاعم دجاج الكنتاكي‮ ‬،‮ ‬وهامبرغر ماكدونالد‮ ‬،‮ ‬وبناطيل رعاة البقر‮ " ‬الجينز‮ " ‬وأغاني‮ ‬البوب‮ ‬،‮ ‬غريبة عن المواطن الصيني‮ ‬،‮ ‬ولا مستهجنة من قبل الأجيال الصينية الجديدة‮ . ‬وفي‮ ‬كتابه‮ " ‬التنين الأكبر‮ " ‬الصادر قبل عشرين عاماً‮ ‬،‮ ‬وهو مرجعنا هنا في‮ ‬العديد من الأمثلة والمعلومات‮ ‬،‮ ‬يسرد دانييل بورشتاين كبير مستشاري‮ ‬بنك بلاك ستون جروب‮ ‬،‮ ‬وهو من أكبر بنوك الاستثمار في‮ ‬نيويورك‮ ‬،‮ ‬حكايات وحوادث وحقائق وأرقام تعزز رؤيته للصين في‮ ‬القرن الحادي‮ ‬والعشرين‮ ‬،‮ ‬ورؤية شريكه في‮ ‬تأليف الكتاب أرنيه دي‮ ‬كيزا المستشار لعدد من الشركات الاميركية الناشطة في‮ ‬الصين‮ ‬،‮ ‬وتؤكد هذه الرؤية على‮ " ‬ان الصين لن تكون رأسمالية أو ديموقراطية حسب ما تتصور لها وتريد منها الولايات المتحدة‮ ‬،‮ ‬ولن تكون اشتراكية بالمعنى التقليدي‮ ‬،‮ ‬كما تدعو إلى‮ " ‬اقامة علاقات بناءة بين الصين والولايات المتحدة‮ ‬،‮ ‬القوتين العظميين في‮ ‬عالم المستقبل‮ " ‬،‮ ‬وذلك ما تنبأ به الفيلسوف الانكليزي‮ ‬السير برتراند رسل منذ العام‮ ‬1922 بقوله‮ " ‬ان الصين قادرة بسكانها ومواردها على أن تصبح القوة العظمى في‮ ‬العالم بعد الولايات المتحدة‮ " .‬
‮ ‬نظام ما بعد كورونا
ولعل مما‮ ‬يمكن ملاحظته ان جائحة كورونا قد وضعت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين على المحك‮ ‬،‮ ‬فالحرب الإعلامية تزداد استعاراً‮ ‬بينهما‮ ‬،‮ ‬والصين لم تسكت على الاتهامات الاميركية‮ ‬،‮ ‬فقد ردَّ‮ ‬وزير خارجيتها وانغ‮ ‬يي‮ ‬على اتهامات واشنطن‮ ‬،‮ ‬ولاسيما تلك الايحاءات بأن كورونا خرج من معهد علم الفيروسات في‮ ‬مدينة ووهان‮ ‬،‮ ‬مقرراً‮ " ‬ان إلقاء اللوم على الصين تَهربٌ‮ ‬من المسؤولية وتشتيت لانتباه الجمهور‮ " . ‬وبالعودة إلى كتاب‮ " ‬التنين الأكبر‮ " ‬نجد ان بداية الاتصالات الدبلوماسية المباشرة بين زعيمين اميركيين هما ريتشارد نيكسون وكيسنجر‮ ‬،‮ ‬ونظيريهما الصينيين ماو تسي‮ ‬تونغ‮ ‬وتشو ان لاي‮ ‬،‮ ‬كانت في‮ ‬العام‮ ‬1972 وقد تُوجت بمعاهدة سلام‮ " ‬غير معلنة‮ " ‬تقضي‮ ‬بإنهاء الحرب الطويلة‮ " ‬غير المعلنة‮ " ‬بين البلدين‮ ‬،‮ ‬وصدور بيان شنغهاي‮ ‬الرسمي‮ ‬الذي‮ ‬يمثل بداية الاعتراف الاميركي‮ ‬بالصين وتطبيع العلاقات بين البلدين‮ . ‬واليوم‮ ‬،‮ ‬وبعد ما‮ ‬يقرب من نصف قرن على صدور ذلك البيان‮ ‬،‮ ‬يعود البلدان إلى نقطة الصفر‮ ‬،‮ ‬أو ما‮ ‬يسمى بالمربع الأول‮ – ‬كما هو متداول بين السياسيين العراقيين‮ ‬– فبعد اربع سنوات من تلك الزيارة توفي‮ ‬تشو ان لاي‮ ‬مطلع العام‮ ‬1976 لحقه ماو تسي‮ ‬تونغ‮ ‬بعد تسعة اشهر‮ ‬،‮ ‬وتوفي‮ ‬نيكسون في‮ ‬العام‮ ‬1994 ولم‮ ‬يبق من شخوص تلك الزيارة‮ ‬،‮ ‬والمعاهدة‮ ‬غير المعلنة‮ ‬،‮ ‬وبيان شنغهاي‮ ‬،‮ ‬غير الدبلوماسي‮ ‬الأميركي‮ ‬الهرم هنري‮ ‬كيسنجر الذي‮ ‬نشر مؤخراً‮ ‬مقالاً‮ ‬في‮ ‬صحيفة وول ستريت قال فيه‮ " ‬ان جائحة كورونا ستغير النظام العالمي‮ ‬للأبد‮ " ‬داعياً‮ ‬فيه زعماء العالم أن لا‮ ‬ينشغلوا بالجهود الضخمة والملحة لمواجهة تفشي‮ ‬الوباء‮ " ‬عن مهمة أخرى ملحة تتمثل في‮ ‬إطلاق مشروعٍ‮ ‬موازٍ‮ ‬للانتقال إلى نظام ما بعد كورونا‮!.‬
بليون زوج من الملابس الداخلية‮!‬
بعد تلك الزيارة التاريخية الأولى من نوعها‮ ‬،‮ ‬تعاقبت زيارات الرؤساء الأميركان للصين‮ ‬،‮ ‬وبعضهم زارها أكثر من مرة‮ ‬،‮ ‬مثل بوش الأبن الذي‮ ‬قام بأربع زيارات‮ ‬،‮ ‬وكذلك باراك أوباما الذي‮ ‬قام بثلاث زيارات‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يولي‮ ‬اهتماماً‮ ‬خاصاً‮ ‬للعلاقات بين البلدين‮ ‬،‮ ‬وكان آخرها زيارة الرئيس دونالد ترامب‮ ‬،‮ ‬وطيرانه مباشرة بعد انتهاء زيارته لكوريا الشمالية ولقائه التاريخي‮ ‬مع كيم جونغ‮ ‬أون‮ ‬،‮ ‬إلى الصين مصرحاً‮ ‬انه متشوق لرؤية الرئيس الصيني‮ ‬شي‮ ‬جين بينغ‮ ‬والاجتماع به‮ . ‬غير ان كل هذه الزيارات لم تسفر عن نتائج جادة وحقيقية وملموسة على الرغم من توقيع اتفاقات تجارية بين البلدين‮ ‬،‮ ‬وذلك‮ ‬يعيدنا إلى أجواء الزيارة الأولى لنيكسون وكيسنجر مستشار الأمن القومي‮ ‬في‮ ‬عهده إلى الصين‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬يكتب توماس فريدمان عن تلك الزيارة قائلاً‮ : ‬عندما التقى كيسنجر وشو ان لاي‮ ‬رئيس وزراء الصين‮ ‬،‮ ‬لأول مرة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السبعينيات‮ ‬،‮ ‬لترتيب العلاقات الاستراتيجية بين البلدين‮ ‬،‮ ‬اعتاد كيسنجر أن‮ ‬يقول على سبيل الفكاهة‮ ‬،‮ ‬أن رجال الأعمال الأميركيين لم‮ ‬يفتأوا‮ ‬يضايقونه بأحلامهم في‮ ‬أن‮ ‬يبيعوا‮ " ‬بليون زوج من الملابس الداخلية‮ " ‬للصينيين‮ … ‬ها ها ها‮ ‬،‮ ‬ويعلو ضحك رجلي‮ ‬الاستراتيجية الكبيرين وهما جالسان فوق مقعديهما الوثيرين‮ . ‬يالها من دعابة‮ : ‬أميركا تبيع سلعاً‮ ‬للصين الشيوعية‮ ‬،‮ ‬ولكن الفكاهة الأكبر هي‮ ‬أن تبيع الصين سلعاً‮ ‬لأميركا‮ ‬،‮ ‬يالها من صورة هزلية مثيرة‮ ! . ‬أغلب الظن أنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يخطر على بال كيسنجر‮ ‬يومها‮ ‬،‮ ‬ان الأميركان سيتلقون بعد ما‮ ‬يقرب من نصف قرن على تلك الزيارة‮ ‬،‮ ‬سلعة صينية‮ ‬،‮ ‬سماها ترامب متعمداً‮ ‬بإسم‮ " ‬الفيروس الصيني‮ " ‬شملتهم مثلما شملت أغلب بلدان العالم‮ ‬،‮ ‬وضاعت أحلام رجال الأعمال الأميركيين في‮ ‬بيع بليون زوج من الملابس الداخلية للصينيين‮ ‬،‮ ‬مثلما ضاع حلم نائب رئيس الوزراء الصيني‮ ‬في‮ ‬السبعينيات لي‮ ‬لان كنغ‮ ‬الذي‮ ‬قال‮ ‬يوماً‮ : ‬نسمع كثيراً‮ ‬ان الولايات المتحدة تريد الاشتباك مع الصين‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬لستُ‮ ‬على‮ ‬يقين ما إذا كان الاشتباك‮ ‬يعني‮ ‬حرباً‮ ‬أم‮ ‬يعني‮ ‬ارتباطاً‮ ‬للزواج ؟ إذا أردتم الحرب ضدنا فأحرى بكم أن تحيطونا علماً‮ ‬،‮ ‬ولكن إذا أردتم الارتباط بنا‮ ‬،‮ ‬فإننا أيضاً‮ ‬نرحب بذلك‮ ‬،‮ ‬لأن الفتيات الأميركيات جميلات ولن نرفض أبداً‮ !! . ‬كانتونات محلية أم قرية عالمية ؟
نظام ما بعد كورونا‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يشبه ما قبله بالتأكيد‮ ‬،‮ ‬فبعد أن بلغت العولمة مدياتها الواسعة‮ ‬،‮ ‬وحولت ثورة الاتصالات التكنولوجية‮ ‬،‮ ‬وتطور وسائل الاعلام ووسائط الاتصال الجماهيري‮ ‬،‮ ‬العالم إلى قرية صغيرة‮ ‬،‮ ‬أو قرية عالمية‮ ‬،‮ ‬بحسب قول الكندي‮ ‬مارشال ماكلوهان‮ ‬،‮ ‬ها هو العالم‮ ‬ينكمش على نفسه من جديد‮ ‬،‮ ‬وتتحول الدول إلى كانتونات محلية منعزلة متقوقعة على نفسها بدافع الخوف‮ ‬،‮ ‬ومتباعدة في‮ ‬عالم الواقع اجتماعياً‮ ‬ونفسياً‮ ‬وانسانياً‮ ‬،‮ ‬وبرزت مظاهر جديدة من العداء العنصري‮ ‬تجاه الجنس الآسيوي‮ ‬الأصفر‮ – ‬لاسيما قبل انتشار الوباء إلى بقية أنحاء العالم‮ ‬– ولاحقت سياط وشتائم ولعنات السلطات الشرطوية بعض أفراد الأقليات الدينية في‮ ‬دول متعددة الأجناس والأديان‮ ‬،‮ ‬وعرضتهم للضرب المبرح والاهانة في‮ ‬أماكن عبادتهم‮ ‬،‮ ‬تحت ذريعة حمايتهم من الفيروس‮ . ‬وهذه كلها وغيرها مظاهر تدريبية لممارسة دكتاتورية الدولة في‮ ‬دول ديموقراطية‮ ‬،‮ ‬أو شبه ديموقراطية‮ ‬،‮ ‬أو تدَّعي‮ ‬الديموقراطية‮ ‬،‮ ‬فجاء الوباء ليكشف عنها الغطاء‮ ! . ‬
والأمر لن‮ ‬يقتصر على ذلك مطلقاً‮ ‬،‮ ‬فهناك إجراءات ومظاهر ستصبغ‮ ‬عالم ما بعد كورونا‮ : ‬تشديدات على ضوابط السفر وبرامج الهجرة‮ ‬،‮ ‬وصرامة في‮ ‬التعامل مع المهاجرين‮ ‬،‮ ‬وانحسار واضح في‮ ‬السياحة العالمية‮ ‬،‮ ‬وتردد في‮ ‬منح تأشيرات الدخول وفي‮ ‬الاقامة وشروط التجنيس‮ ‬،‮ ‬ومضايقات في‮ ‬المنافذ الحدودية بين الدول‮ ‬،‮ ‬وفقر‮ ‬يشمل شرائح اجتماعية متوسطة الدخل ليزداد عدد الفقراء‮ ‬،‮ ‬وركود اقتصادي‮ ‬عالمي‮ ‬،‮ ‬وتقلص الوظائف وفرص العمل‮ ‬،‮ ‬وبرميل نفط بسعر الماء‮ ‬،‮ ‬و‮ … ‬انتهاكات‮ – ‬مسوغة هذه المرة ومقبولة دولياً‮ – ‬لحقوق الانسان‮ ‬،‮ ‬لحريته وحركته‮ ‬،‮ ‬لرزقه وأمنه واستقراره‮ ‬في‮ ‬حله وترحاله‮ ‬،‮ ‬عوضاً‮ ‬عن انعدام الثقة والطمأنينة‮ ‬،‮ ‬وزرع الخوف والشك والريبة‮ ‬،‮ ‬بين الإنسان وأخيه الإنسان‮ . ‬أرجو مخلصاً‮ ‬،‮ ‬أن لا‮ ‬يحدث شيء من ذلك‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يعود عالمنا‮ ‬،‮ ‬كما كان قبل جائحة كورونا‮ ‬،‮ ‬ذلك العالَم الذي‮ ‬كنا نشكو منه ونتذمر،‮ ‬ونلعنه زهواً‮ ‬وخيلاءً‮ ‬وبطراً‮ …. ‬وأن‮ ‬يتمكن رجال الأعمال الأميركان‮ ‬،‮ ‬من بيع‮ " ‬بليون زوج من الملابس الداخلية للصينيين‮ " ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يتزوج الصينيون الفتيات الاميركيات الجميلات‮ ‬،‮ ‬ويعود فيروس كورونا إلى جوف التنين الأكبر‮ !‬

‮{ ‬بروفسور في‮ ‬الفلسفة

2020 سنة الفأر الصينية / د. طه جزاع
بشر تحت الحظر! / د. طه جزاع

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الثلاثاء، 02 حزيران 2020

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 28 نيسان 2020
  235 زيارات

اخر التعليقات

زائر - منار القيسي الشاعرمنار عبد الرزاق القيسي : الأدوات والأجندة النقدية قاعدة لمعرفة روح القصيدة / دنيا علي الحسني
27 أيار 2020
الشكر الجزيل لشبكة الاعلام في الدنمارك والى كادرها والى الاديبة والاعل...
زائر - النحات شريف الطائي ( ابناء الخطيئة ) / د. زهراء التميمي
19 أيار 2020
كم أنتم مساكين يامن تبحثون عن الشهرة او عن غيرها على حساب اي امر سواء ...
اسعد كامل رحل صوت الاعتدال (واثق الهاشمي) / رائد الهاشمي
05 أيار 2020
السلام عليكم اخي العزيز الدكتور رائد الهاشمي المحترم انا لله وانا اليه...
زائر - نجيب طلال نـص حــكائي بعنوان : الطـنـجـرة / المؤلف: نجيب طلال
05 أيار 2020
تحياتي الخالصة لكم، وعلى تفضلكم بنشر هذالنص الحكائي الذي أهديته لك الأ...
زائر - ضمير الناس إبداع 100عربي / حمدى مرزوق
28 نيسان 2020
الاخ الكاتب والمعد والمخرج كما وصفت نفسك فى صفحات عده ممكن تضع سيرتك ا...

مقالات ذات علاقة

تعتبر الدنمارك رائده في تبني الأفكار التربويه وأن لم تكن هي المخترع الأساسي لبعضها... سأخت
12157 زيارة 0 تعليقات
تركت رياضتنا العراقية في شتى المجالات تركات كبيره وثقيلة من خيبات الأمل وسوء الإدارة والتخ
9211 زيارة 0 تعليقات
عن معاذ بن جبل قال أرسلني رسول الله ص ذات يوم إلى عبد الله بن سلام و عنده جماعة من أصحابه
8052 زيارة 0 تعليقات
هي رواية فرنسية من تأليف غاستون ليروي. وكانت بالأساس مسلسل قصصي نشرت في مجلة "Le Gaulois"
7795 زيارة 0 تعليقات
منذ 1400 عام استشهد سبط رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على يد جيوش الكفر والنفاق جيوش ي
7425 زيارة 0 تعليقات
بقلم الدكتور نعمه العبادي مدير المركز العراقي للبحوث والدراساتتزايد الاهتمام بسؤال (كيف نح
7258 زيارة 0 تعليقات
اﻟﺣﺩﻳﺙ ﻋﻥ التراث والعادات والتقاليد وﺍﻟﺣﺭﻑ ﺍﻟﻳﺩﻭﻳﺔ ﺍﻟﺗﺭﺍﺛﻳﺔ يعطينا ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﺩفء ﻭﺍﻟﻧﺷﻭﺓ.
6767 زيارة 0 تعليقات
ضمن سلسلة (أوراق كارنيغي)،أصدرت مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي ومقرها واشنطن ، في الأول من ش
6766 زيارة 0 تعليقات
 برعاية وزير الثقافة الاستاذ فرياد راوندوزي وحضور وكيل الوزارة الاستاذ فوزي الاتروشي استذك
6708 زيارة 0 تعليقات
الامة العربية ومن خلال ماتركه اجدادنا في حضارة وادي النيل وحضارة وادي الرافدين كانت من اكث
6699 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال